محمد هادي معرفة
76
التمهيد في علوم القرآن
حالهم دونه ، فإنّ من يضع يده على رأسه دون سائر الحاضرين يحبس اللّه أيديهم لا يعجب منه بل من حالهم . ولكان ينبغي أن يعارضوه بما قبل صرفهم عنه من كلامهم الفصيح ، ولأنّ سلب قدرهم يجريهم مجرى الموتى فلا يجدي اجتماعهم قوّة وظهورا على المعارضة ، وهو مخالف لقوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ « 1 » وأمّا قصّة زكريّا فحجّة له فيما نحن بصدده ، إذ الآية كانت في سلبه النطق لا في نطق غيره . . . وإذا ثبت كونه معجزا تعيّن أن يكشف عن جهة الإعجاز إذا لا يصحّ التحدّي بشيء مع جهل المخاطب بالجهة التي وقع بها التحدّي . ولو كان كذلك لأمكن كلّ أحد أن يتحدّى . قال : فإذن إعجازه إمّا من جهة ذوات الكلم ، أو عوارضه من الحركات ، أو مدلوله ، أو المجموع أو التأليف أو أمر خارج عن ذلك . والأوّل والثاني باطلان ، إذ صغير العرب يمكنه ذلك . وأمّا المدلول فليس صنيع البشر ولا يقدرون على إظهار المعاني من غير ما يدل عليه . وأمّا المجموع فالكلام عليه كالكلام على ما سبق . وأمّا الخارجي فباطل إلّا على رأي النظّام ، وقد عرف . . قال : فتعيّن أن يكون الإعجاز نشأ من جهة التأليف الخاصّ به لا مطلق التأليف ، وذلك بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة وعلت مركّباته معنى . وهذا القسم الذي عقد له علم البيان ، ومن ثمّ سلك من رسخ قدمه في الحماقة التأليف عند قصد المماثلة ، من ذلك ما حكي عن مسيلمة أنّه قال : « الفيل ما الفيل ، وما ادراك ما الفيل ، له ذنب وثيل وخرطوم طويل » . وحكي أنّ اعرابيا حضر صلاة جماعة فقدّم فقرأ في الأولى - بعد الفاتحة - : ألا يا مهلك الفيل ، ومن سار مع الفيل ، وكيد القوم في تبّ وتضليل ، بطير صبّه اللّه على الفيل أبابيل ، ضحى من طين سجّيل ، فصار القوم في قاع كعصف ثم مأكول . وقرأ في
--> ( 1 ) الإسراء : 88 .